محمد حسين علي الصغير
158
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
الأحداث المروعة التي رافقته في حياته من حسد أخوته ، وتآمرهم عليه بإلقائه في الجب ، وابتياع السيارة له ، واستخدامه في بيت العزيز ، ومراودة امرأة العزيز له عن نفسه ، وإلقائه في السجن ، وتعبيره في السجن للرؤيا ، واستخراجه منه وتمكنه عند الملك ، وإقامته على خزائنه ، وملاحظته لأخوته وأخذه شقيقه من بينهم ، وتصور حالة أبيه ، ومعرفة أخوته له بعد نكرانهم ، ومجيء أخوته وأبويه له من البدو إلى الحاضرة ، ورفعه لأبويه على العرش وسجودهم . . . إلخ . ألا ترى في كل هذا المناخ الموحي صورة رمزية مشرقة للمعاناة من جهة ، وللطيبة من جهة أخرى ، وللصفح الجميل من جهة ثالثة ، وأن سلسلة هذه الأحداث قد انتهت به من غلام مضاع إلى ملك مطاع ، وأن النهاية هي الموت ، فطلب ذلك أو الاستمرار في البقاء على الإسلام حتى الموت والالتحاق بالسلف الصالح . وأية صورة رمزية مشرقة كهذه الصورة التي عبر عنها جزء من آية كريمة فجمع شتات القصة ومتفرقاتها ، بنهاية رمزية موحية ، تكاد تعبر عن جميع خفايا النفس ، وخبايا الضمير ، وهل الرمز إلا ذلك ؟ وهل الرمزية إلا التعبير الموحي عن خلجات النفوس ، ومكنونات العواطف . إنني أرى في نهاية قصة يوسف المتمثلة في الآية القرآنية السابقة ، هذه الرمزية الفائقة التي عرضها القرآن بأسلوبه المشرق قبل أن يبتدع أهل الرمزية مصطلحها نظريا وتطبيقيا بعدة قرون . وانظر إلى قوله تعالى : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ . . . ( 22 ) « 1 » وذلك فيما اقتص اللّه تعالى من محاججة موسى عليه السّلام مع فرعون ، ألا ترى في هذه الإثارة الانكارية تصورا للحال الذي كان عليه بنو إسرائيل في المناخ الفرعوني ، وما يدور في ذهن موسى عليه السّلام من استعراض الحوادث التي مرت بقومه ، من استحياء النساء ، وقتل الرجال ، وذبح الأبناء ، وتسخير الناس ، دون مسوغ من عرف أو شرع أو قانون ، ألا ترى في هذه العبارة
--> ( 1 ) الشعراء : 22 .